فصل: الفصل السادس والعشرون في صناعة النجارة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» (نسخة منقحة)



.الفصل السادس والعشرون في صناعة النجارة:

هذه الصناعة من ضروريات العمران ومادتها الخشب وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل للآدمي في كل مكون من المكونات منافع تكمل بها ضروراته وكان منها الشجر فإن له فيه من المنافع مالا ينحصر مما هو معروف لكل أحد ومن منافعها اتخاذها خشبا إذا يبست وأول منافعه أن يكون وقودا للنيران في معاشهم وعصيا للاتكاء والذود وغيرهما من ضرورياتهم ودعائم لما يخشى ميله من أثقالهم ثم بعد ذلك منافع أخرى لأهل البدو والحضر فأما أهل البدو فيتخذون منها العمد والأوتاد لخيامهم والحدوج لظعائنهم والرماح والقسي والسهام لسلاحهم وأما أهل الحضر فالسقف لبيوتهم والأغلاق لأ بوابهم والكراسي لجلوسهم وكل واحدة من هذه فالخشبة مادة لها ولا تصير إلى الصورة الخاصة بها إلا بالصناعة والصناعة المتكفلة بذلك المحصلة لكل واحد من صورها هي النجارة على اختلاف رتبها فيحتاج صاحبها إلى تفصيل الخشب أولا إما بخشب أصغر منه أو ألواح ثم تركب تلك الفضائل بحسب الصور المطلوبة وهو في كل ذلك يحاول بصنعته إعداد تلك الفصائل بالانتظام إلى أن تصير أعضاء لذلك الشكل المخصوص والقائم على هذه الصناعة هو النجار وهو ضروري في العمران ثم إذا عظمت الحضارة وجاء الترف وتأنق الناس فيما يتخذونه من كل صنف من سقف أو باب أو كرسي أو ماعون حدث التأنق في صناعة ذلك واستجادته بغرائب من الصناعة كمالية ليست من الضروري في شيء مثل التخطيط في الأبواب والكراسي ومثل تهيئة القطع من الخشب بصناعة الخرط يحكم بريها وتشكيلها ثم تؤلف على نسب مقدرة وتلحم بالدسائر فتبدو لرأي العين ملتحمة وقد أخذ منها اختلاف الأشكال على تناسب يصنع هذا في كل شيء يتخذ من الخشب فيجيء آنق ما يكون وكذلك في جميع ما يحتاج إليه من الآلات المتخذة من الخشب من أي نوع كان وكذلك قد يحتاج إلى هذه الصناعة في إنشاء المراكب البحرية ذات الألواح والدسر وهي أجرام هندسية صنعت على قالب الحوت واعتبار سبحه في الماء بقوادمه وكلكله ليكون ذلك الشكل أعون لها في مصادمة الماء وجعل لها عوض الحركة الحيوانية التي للسمك تحريك الرياح وربما أعينت بحركة المقاذيف كما في الأساطيل وهذه الصناعة من أصلها محتاجة إلى أصل كبير من الهندسة في جميع أصنافها لأن إخراج الصور من القوة إلى الفعل على وجه الإحكام محتاج إلى معرفة التناسب في المقادير إما عموما أو خصوصا وتناسب المقادير لا بد فيه من الرجوع إلى المهندس ولهذا كانت أئمة الهندسة اليونانيون كلهم أئمة في هذه الصناعة فكان أوقليدوس صاحب كتاب الأصول في الهندسة نجارا وبها كان يعرف وكذلك أبلونيوس صاحب كتاب المخروطات وميلاوش وغيرهم وفيما يقال: أن معلم هذه الصناعة في الخليقة هو نوح عليه السلام وبها أنشأ سفينة النجاة التي كانت بها معجزته عند الطوفان وهذا الخبر وإن كان ممكنا أعني كونه نجارا إلا أن كونه أول من علمها أو تعلمها لا يقوم دليل من النقل عليه لبعد الآماد وإنما معناه والله أعلم الإشارة إلى قدم النجارة لأنه لم يصح حكاية عنها قبل خبر نوع عليه السلام فجعل كأنه أول من تعلمها فتفهم أسرار الصنائع في الخليقة والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.

.الفصل السابع والعشرون في صناعة الحياكة والخياطة:

اعلم أن المعتدلين من البشر في معنى الإنسانية لا بد لهم من الفكر في الدفء كالفكر في الكن ويحصل الدفء باشتمال المنسوج للوقاية من الحر والبرد ولا بد لذلك من إلحام الغزل حتى يصير ثوبا واحدا وهو النسج والحياكة فإن كانوا بادية اقتصروا عليه وإن قالوا إلى الحضارة فصلوا تلك المنسوجة قطعا يقدرون منها ثوبا على البدن بشكله وتعدد أعضائه واختلاف نواحيها ثم يلائمون بين تلك القطع بالوصائل حتى تصير ثوبا واحدا على البدن ويلبسونها والصناعة المحصلة لهذه الملاءمة هي الخياطة.
هاتان الصناعتان ضروريتان في العمران لما يحتاج إليه البشر من الرفه فالأولى لنسج الغزل من الصوف والكتان والقطن إسداء في الطول وإلحاما في العرض وإحكاما لذلك النسج بالالتحام الشديد فيتم منها قطع مقدرة فمنها الأكسية من الصوف للاشتمال ومنها الثياب من القطن والكتان للباس والصناعة الثانية لتقدير المنسوجات على اختلاف الأشكال والعوائد تفصل بالمقراض قطعا مناسبة للأعضاء البدنية ثم تلحم تلك القطع بالخياطة المحكمة وصلا أو تنبيتا أو تفسحا على حسب نوع الصناعة وهذه الصناعة مختصة بالعمران الحضري لما أن أهل البدو يستغنون عنها وإنما يشتملون الأثواب اشتمالا وإنما تفصيل الثياب وتقديرها وإلحامها بالخياطة للباس من مذاهب الحضارة وفنونها وتفهم هذه في سر تحريم المخيط في الحج لما أن مشروعية الحج مشتملة على نبذ العلائق الدنيويئة كلها والرجوع إلى الله تعالى كما خلقنا أول مرة حتى لا يعلق العبد قلبه بشيء من عوائد ترفه لا طيبا ولا نساء لا مخيطا ولا خفا ولا يتعرض لصيد ولا لشيء من عوائده التي تلونت بها نفسه وخلقه مع أنه يفقدها بالموت ضرورة وإنما يجيء كأنه وارد إلى المحشر ضارعا بقلبه مخلصا لربه وكان جزاؤه إن تم له إخلاصه في ذلك أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه سبحانك ما أرفقك بعبادك وأرحمك بهم في طلب هدايتهم إليك وهاتان الصنعتان قديمتان في الخليقة لما أن الدفء ضروري للبشر في العمران المعتدل وأما المنحرف إلى الحر فلا يحتاج أهله إلى دفء ولهذا يبلغنا عن أهل الإقليم الأول من السودان أنهم عراة في الغالب ولقدم هذه الصنائع ينسبها العامة إلى ادريس عليه السلام وهو أقدم الأنبياء وربما ينسبونها إلى هرمس وقد يقال إن هرمس هو إدريس والله سبحانه وتعالى هو الخلاق العليم.